ابن الجوزي
154
بستان الواعظين ورياض السامعين
أعجب منه ، أمرت بقبض روحه في ذلك اليوم بجزائر الهند وهو عندك بالشام . فقبض روحه في ذلك اليوم بالهند . وأنشدوا : الموت بحر يهاب المرء مورده * وكل يوم له من كأسه جرع لا صحة المرء في الدنيا تؤخره * ولا يقدم يوما موته الوجع وكلّ يوم علينا في فجائعه * طير يحوم فلا ندري بمن يقع [ 265 ] سعيد بن المسيب والجني روي أن سعيد بن المسيب دخل يوما مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجعل يلتفت في أركان المسجد يتفكر فيمن أدرك من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم بكى وجعل يقول : ألا ذهب الحماة وأسلموني * فوا أسفا على فقد الحماة تولّوا للقبور فأسقموني * فوا أسفا على فقد الثقاة فأجابه هاتف من ركن المسجد بصوت محزون ، من كبد مشجون ، وهو يقول : فدع عنك الثقاة فقد تولوا * ونفسك فابكها حين الممات فكلّ جماعة لا بدّ يوما * يفرق بينهم وقع الشتات فقال سعيد : من أنت فقد زدتني حزنا ؟ فقال : أنا من مؤمني الجن ، كنا في هذا المسجد سبعين رجلا فأتى الموت على جماعتنا كما أتى على جماعتك ، ولم يبق منهم غيري كما لم يبق من الإنس غيرك ، وإنا بهم لاحقون ، فإنا للّه وإنا اليه راجعون . وأنشدوا : جرت الرياح على جميع ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد فأرى النعيم وكلّ ما يلهى به * يوما يصير إلى بلى ونفاد [ 266 ] صلحاء الجن وذكر عن بعض العباد أنه كان يصلي فقرأ هذه الآية كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ * [ آل عمران : 185 ، الأنبياء : 35 ، العنكبوت : 57 ] . وجعل يتدبرها ويرددها ، فسمع قائلا يقول : يا هذا كم تردد هذه الآية ؟ فو اللّه لقد قتلت بها أربعة من الجن ما رفعوا رؤوسهم إلى السماء قط حياء من اللّه تعالى ، ولقد ماتوا من ترديدك هذه الآية . وأنشدوا :